أحمد مصطفى المراغي

22

تفسير المراغي

وحكى عنه في آية أخرى أنه قال : « أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » * وتقدم هذا القصص في سورة الأعراف وقلنا هناك : إن الأمر بالسجود أمر تكليفي ، وأنه قد وقع حوار بين إبليس وربه ، ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان ، إذ جعل الملائكة وهم المدبّرون لأمور الأرض بإذن ربهم مسخرون لآدم وذريته ، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها لعله بسنن اللّه فيها وعمله بهذا السنن ، فانتفع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها ، وبذا أظهر حكمة اللّه في خلقها ، واصطفى بعض أفراده وخصهم بوحيه ورسالته وجعلهم مبشرين ومنذرين ، وجعل الشيطان عاصيا متمردا على الإنسان وعدوّا له ، وجعل النفوس البشرية وسطا بين النفوس الملكية المفطورة على طاعة اللّه وإقامة سننه في صلاح الخلق ، وبين أرواح الجن الذين يغلب على شرارهم - الشياطين - التمرد والعصيان . وقد ذكر سبحانه حجاج إبليس وذكر سبب امتناعه عن السجود لآدم بأنه خير منه ، فإنه خلق من النار وآدم من الطين ، والنار خير من الطين وأشرف منه ، والشريف لا يعظّم من دونه ولو أمره ربه بذلك . وفي هذا ضروب من الجهالة وأنواع من الفسق والعصيان فإنه : ( 1 ) اعترض على خالقه بما تضمنه جوابه . ( 2 ) احتج عليه بما يؤيد به اعتراضه . ( 3 ) إنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه وموافقته لهواه ، وهذا رفض لطاعة الخالق وترفّع عن مرتبة العبودية . ( 4 ) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين ، وخيرية المواد بعضها على بعض أمر اعتباري تختلف فيه الآراء ، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من النار ، والنور خير من النار ، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم .